مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي
تقدم

[بلاك وتر...وتفجيرات بيشاور]
للشيخ المجاهد / مصطفى أبو اليزيد حفظه الله

عربي
للتحميل
كلمة السر
GDF09ifkdNM45df
ادعوا لإخوانكم المجاهدين
إخوانكم في
مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي
المصدر: (مركز الفجر للإعلام)








كلمات نيّرة // نخبة الإعلام تقدم تفريغ [ ربـــح البيـــع ] للشيخ أبي يحيى الليبي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له, وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه أجمعين وعلى من اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد :
فيا من رضيتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا اتقوا الله سبحانه وتعالى فإن تقوى الله عز وجل هي خير زادٍ كما قال الله سبحانه وتعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ). كما تعلمون أيها الإخوة الأحبة فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع لنا دين الإسلام الذي هو خاتم الرسالات والذي لم يرض الله لعباده ديناً سواه, فقال سبحانه وتعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وأكمل لنا النعمة وأتمها علينا بهذا الدين العظيم, فقال الله سبحانه وتعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وأخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الهداية إلى صراطه المستقيم هي من نعمه التي يتفضل بها على من يشاء من عباده ولذلك فنحن نقول في كل ركعة من صلواتنا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) أولئك الذين قال الله سبحانه وتعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).
فالإسلام نعمة من الله سبحانه وتعالى, ورحمة من الله عز وجل لخلقه, والهداية إلى الإسلام نعمة من الله سبحانه وتعالى فمن شرح الله صدره له ونوّر قلبه بالهداية إليه فقد تفضل عليه بأعظم نعمة وأجل منة, فإن الهداية إلى الإسلام أيها الإخوة لا يمكن للمرء أن يتحصل عليها إلا بفضل خالص وعطاء من الله سبحانه وتعالى, قال الله عز وجل (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال الله سبحانه وتعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ).
فالله عز وجل هو الذي هدانا إلى الصراط المستقيم وهو الذي أكرمنا بأن نكون من أتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم, وبحسب الانتساب إلى هذا الدين افترق الناس إلى فريقين: إلى فريق الحق والهداية والصراط المستقيم وهم حزب الله المؤمنون, وإلى فريق الضلالة والشقاوة وهم حزب الشيطان اللعين, قال الله عز وجل (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى أن يقول في آخر الآية (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) والله عز وجل يقول (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وقال في حق الشيطان, قال: (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
ففريق الهداية هو فريق أهل الحق وهم أتباع الرسل من لدن أن أنزل الله سبحانه وتعالى كتبه عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وأتباع الشيطان هم الأذلون الأرذلون المكبوتون, قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وقال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) وهذا الانقسام إلى فريقين, إلى فريق الإيمان والهداية وهم حزب الرحمن, وفريق الضلالة والكفر والشقاوة وهم حزب الشيطان, هذا الانقسام أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه يقود إلى التدافع بين هذين الفريقين والصراع الذي لا ينقطع أبداً قال الله عز وجل في حق الكفرة (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا), وقال الله عز وجل (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ), وأخبرنا الله عز وجل عمّا يكنونه في صدروهم من الحسد والبغضاء, فقال الله سبحانه وتعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) وقال الله (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) إذاً هذا الصراع لا ينقطع أبداً.
فأما أهل الإيمان فهمّتهم ومقصدهم هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ومن الضنك إلى الرحمة ومن الضيق إلى السعة, قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي), وقال الله سبحانه وتعالى لنبيه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) رحمة, دين الإسلام دين الرحمة والهداية والسعة.
وأما حزب الشيطان فإنما يريدون من أهل الاستقامة والحق أن يميلوا عن الصراط المستقيم وأن يكونوا عُبّاداً لِشهواتهم (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا), (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ), وهذا الصراع صوره متعددة ومن بين صوره وهو أعلى درجاتها الجهاد في سبيل الله, هذه العبادة التي شرعها الله سبحانه وتعالى لتميز أهل الحق من أهل الضلال, ولتصفي صف المسلمين وتنقيه من شوائب الخبث, قال الله سبحانه وتعالى (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) وقال الله سبحانه وتعالى ( لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ).
فالإسلام إذن أو فالجهاد في سبيل الله يميز أهل الهداية والاستقامة عن غيرهم, لماذا ؟
لأن الجهاد في سبيل الله هو أعلى وأوضح مراتب الولاء لحزب الله المؤمنين والبراءة من حزب الشيطان الكافرين, أنت عندما تقول أنا مُحِب لله عز وجل ومتّبع للنبي صلى الله عليه وسلم ومواليٍ لحزب الله المؤمنين فبرهانك على ذلك ما هو ؟ هو أن تُقدم نفسك التي خلقها الله سبحانه وتعالى نُصرة لدينه الذي شرعه وطاعة لأمره الذي أنزله في كتابه, وعندما تُقاتل حِزب الشيطان وأتباعه فإن هذا إعلان للبراءة منهم ومن معبوداتهم ومن دينهم, وأعلى درجات البراءة وإعلان البغضاء والعداوة هو أن تسعى في قتلهم وقِتالهم, ولذلك كان الجهاد عنواناً حقيقياً على الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين, فالإنسان حينما يكون في ساحة الجهاد وحينما يكون مؤدياً لهذه العبادة الجليلة فهو بهذا يعلن ولاءه لله ولرسوله وللمؤمنين, ويعلن براءته من هؤلاء الكفرة المجرمين على جميع أصنافهم وبشتى نحلهم ومِللهم.
فالله سبحانه وتعالى أيها الإخوة أكرمنا بأن نكون من هؤلاء المؤمنين المجاهدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, ولهذا أيها الإخوة فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل الجهاد في سبيل الله عنواناً على الصِدق معه, قال الله عز وجل ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ), وقال الله سبحانه وتعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ), فالجهاد هو عنوان الصِدق مع الله سبحانه وتعالى, والمجاهدون هم الصادِقون, فعلى المسلم أن يكون مع الصادقين كما أمره الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصادقين).
لماذا صار الجهاد دليلاً على الصدق مع إخلاص المرء وتجرده لله سبحانه وتعالى ؟
لأن فيه توفية صفقة البيع بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى, كل مسلم دخل في دين الله عز وجل وأعلن بأنه رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً, فإنه بهذا الإعلان قد وقّع صفقة بيع بينه وبين الله سبحانه وتعالى وهي أعظم صفقة على الإطلاق, قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذه الآية أيها الإخوة هي آية المبايعة مع الله سبحانه وتعالى وقد تضمّنت أركان البيع كاملة فهذه الصفقة فيها المشتري وهو الله سبحانه وتعالى, وفيها البائِع وهو كل مؤمن صادق مع الله عز وجل, وفيها الثمن وهو الجنة, وفيها السلعة وهي النفوس والأموال, وفيها وثيقة العقد وهي القرآن والتوراة والإنجيل, إذاً هي صفقة بيع كاملة بين العبد المؤمن وبين الله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ما قال في الآية إن الله سيشتري, ولا إن الله يشتري, وإنما قال (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى) يعني أن تلك الصفقة قد انعقدت وتمّت ومضت فلا تراجع فيها وقع الاتفاق بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى بدخوله في دين الإسلام وعقد قلبه على أن يكون من أهل هذا الدين, فإذن نفسك التي بين جنبيك هذه قد بيعت, أنت لا تملكها, أنت الآن مطالب بأن تُسلمها للمشتري وهو الله سبحانه وتعالى.
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) نفوس المؤمنين هي نفوسٌ زكيةٌ طيبة ولهذا ارتضاها الله سبحانه وتعالى أن تكون سلعة في مقابل الجنة, لماذا ؟ لأنها نفوسٌ زكية بالإخلاص لله عز وجل وبتوحيد الله سبحانه وتعالى ولم تتدنس ولم تتنجس بالشرك كما هو حال المشركين (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) فلذلك هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من أهل الجنة, كيف يدخل الجنة نجسٌ, قال الله سبحانه وتعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقال الله سبحانه وتعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فإذن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
والمؤمنون درجات بحسب إيمانهم في الدنيا فالإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وهو توحيد الله عز وجل وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والناس في هذا يتفاوتون تفاوتاً لا يعلم قدره إلا الله عز وجل.
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فالإنسان إذن عندما يعد نفسه من حزب الله المؤمنين فقد صارت نفسه مبيعة إلى الله سبحانه وتعالى, فعليك أن تسعى في البحث عن السوق الذي تُسلِم فيه هذه السلعة, ما هي هذه السلعة ؟
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) وكما نعلم أيها الإخوة فإن كل الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل وذُكِر فيها جهاد المال والنفس قدِّم فيها الجهاد بالمال على الجهاد في النفس إلا في هذه الآية, قال الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قدّم الأموال على الأنفس, وقال الله عز وجل (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ), قال الله سبحانه وتعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) , وقال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ), يُقدّم ذكر المال على ذكر النفس وذلك لأن الجهاد لا يمكن أن يُقام ولا أن تسير عجلته إلا بوجود المال, ومن هنا فإنّنا رأينا الله سبحانه وتعالى أعذر الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون في الجهاد لا يجدون الراحلة ولا الزّاد ولا المال الذي يجاهدون به, قال الله عز وجل (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) , ليس عندهم شيء ينفقونه ليجاهدوا في سبيل الله, إلا في هذه الآية فقد قدّم الله سبحانه وتعالى النفس على المال, لماذا ؟
لأن الموضع موضع مساومة كما قال.... قال ساومهم فأغلاهم الثمن طلب منهم أغلى شيء عندهم وهو نفوسهم, النفس هي أغلى عند المرء من ماله:
فالإنسان عندما يجود بنفسه في سبيل قضية من القضايا أو عقيدة من العقائِد هذا لا شك أنه يدل على أنه يقدم تلك العقيدة أو تلك القضية على نفسه التي بين جنبيه.
فقال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ), في مقابل ماذا ؟
(بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ), بأن يكون لهم في مقابل نفوسهم الجنة, وتأملوا يا إخوة هذه الصفقة هذه النفوس التي يشتريها منا الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها وسيردّها عليك ومعها جنة عرضها السماوات والأرض, يريد منك فقط أن تُثبت صِدق محبتك لله عز وجل, يريد منك فقط أن تُثبت صِدقك في تسليم السلعة التي طالبك بها, أما السلعة فالله غني عنها سبحانه وتعالى, (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ), وهذه النفس ستخرج منك شئت أم أبيت, كل إنسان سيموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) , (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ), (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ), إذن هذه النفس ستخرج شئت أم أبيت فما عليك إلا أن تجتهد لتخرجها في الموطن الذي يحبه الله سبحانه وتعالى لتكون صادقاً موفّياً في الصفقة التي بينك وبينه سبحانه وتعالى.
إذن فالله سبحانه وتعالى يشتري منّا شيئا هو أعطاه لنا وسيرده علينا إكراماً منه سبحانه وتعالى ومعه جنة عرضها السماوات والأرض, فقال الله عز وجل (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ), انظر ما قال اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة, وإنما قال (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) أولاً (أَنَّ) حرف التوكيد حتى لا يبقى هناك شك أو تردد عند البائِع وهو المؤمن, ثم بعد ذلك قدّم الله سبحانه وتعالى ذُكِر في هذه الآية الجار والمجرور (لَهُمُ) قبل (الْجَنَّةَ) لأنه يدل على الاختصاص تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الاختصاص في مثل هذه المواطن كأن الله سبحانه وتعالى قال بأن الجنة لهم وليست لغيرهم كأنه يقول بأن الجنة صارت مختصة بهم يعني تأكيد من الله عز وجل باستحقاقهم لهذه الجنة وبأنهم سيستلمونها يقيناً إن هم صدقوا في السعي لتسليم هذه السلعة (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ).
تأملوا أيها الإخوة أن ثمن نفسك -التي ستفقدها حتماً يوماً من الأيام- جنة عرضها السماوات والأرض, جنة فيها رضوان الله سبحانه وتعالى, جنة فيها رؤية الله عز وجل, جنة فيها رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, جنة فيها النعيم المقيم الذي لا ينقطع أبداً, جنة لا حزن فيها ولا نصب ولا وصب, نعيم الجنة أيها الإخوة, كل هذا تأخذه, جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, كل هذا تأخذه بمقابل أن تسلم هذه النفس التي ستفقدها يوماً من الأيام شئت أم أبيت.
قال الله سبحانه وتعال (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ), ما هو المطلوب منا ؟ ما هو البرهان على أننا جادون في تسليم هذه السلعة ؟ أو أين هي السوق التي نسعى لنسلم السلعة فيها لله عز وجل ؟
كل إنسان قد يدعي أنه يريد تسليم هذه السلعة ويريد أن يوفي بصفقة البيع التي بينه وبين الله سبحانه وتعالى إلا أن الله عز وجل ما ترك للدعاوى مجالاً بل طالب بالبينة والبرهان والحجة الصريحة في ذلك, قال (قَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ), من كان صادقاً جاداً في طلب الجنة في مقابل تسليم النفس فعليه بالقتال في سبيل الله, وما قال يجاهدون في سبيل الله وإنما قال (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حتى لا يبقى للتأويلات مجال, حتى لا يأتي أحد ويقول إنّ المقصود بذلك هو جهاد النفس أو هو جهاد الشيطان أو هو جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو هو جهاد الدعوة إلى الله عز وجل أو غير ذلك, لا إنما قال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ) وكلمة يقاتلون كلمة عربية لها معنى محدد واضح قاتل يقاتل قتالاً فهو مقاتل أو مقتول, كل إنسان يفهم ما هو معنى هذه الكلمة, إذن فالله سبحانه وتعالى يطالب كل مؤمن أن يكون مجاهداً مقاتلاً يعني رجلاً عسكرياً وهذه هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, النبي صلى الله عليه وسلم كان هو المعلم لأصحابه وكان هو الداعي إلى الخير وكان المصلح بين الناس وكان خطيب الجمعة صلى الله عليه وسلم وكان الزوج في البيت وكان قائِد المعارك كان يخوض المعارك بنفسه صلى الله عليه وسلم لا يرسل الجيوش ويبقى في المدينة وإنما يكون في أول الصف حتى قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم "كنّا إذا حمي الوطيس نحتمي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأشجعنا من يحاذيه", إذا اشتد البأس وبدأت الرؤوس تتطاير وتقابل الأبطال مع الأبطال كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الصف والصحابة يحتمون به, الشجاع فيهم من يكون بجانبه, هذه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان يقبض السيف بيده ويضرب به الأعناق لم يقل أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جهاد علي ولم يقل إنني سأبقى مشتغلاً بتعليم الناس بل هذا من العلم الذي يجب أن يُعلم للناس بالقول والفعل.
الله عز وجل علّمنا بالجهاد حتى كيف نقاتل ونقتل أعداءنا, قال الله عز وجل (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) الله سبحانه وتعالى يعلمنا هذا, وقال الله عز وجل (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).
إذن من أراد أن يكون مؤتسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم سواء كان عالماً أو متعلماً أو تاجراً أو داعية أو خطيباً أو طبيباً أو غير ذلك فعليه أن يجتهد ليأتسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء ومن ذلك القتال في سبيل الله, أما أن يعيش الإنسان حياته كلها لا يعرف من السلاح شيئا ولم تغبر قدماه في سبيل الله يوماً واحداً, فهذا كيف يكون مؤتسيا أو متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
إذن لا بد علينا أيها الإخوة, لابد أن نجتهد لأن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل باب من أبواب الطاعة والسنن والخير.
وقال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وأنتم تعرفون فضل الجهاد في سبيل الله والآيات والأحاديث الكثيرة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى أمراً بالجهاد ونهياً عن تركه وتحذيراً من التفريط فيه ومدحاً لأهله وإخباراً بما أعده الله سبحانه وتعالى لهم, قال الله عز وجل (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا), الله سبحانه وتعالى يقول (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) وقال الله عز وجل (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) يعني وفي سبيل إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان إلى آخر الآية.
والله عز وجل يقول (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) الدنيا عندهم لا قيمة لها لأنهم يطلبون ما عند الله عز وجل (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا), وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( فقاتل في سبيل الله لا تُكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ).
والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة وقد ذكرنا منها أحاديث في مواطن متعددة ويكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن " والذي نفسي بيده لولا رجالاٌ من أمتي لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ", هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لما في الخروج في السرايا من الفضل والأجر لولا أن هناك رجالاً من المؤمنين الفقراء والضعفاء الذين لا يتحملون مفارقتي في كل حين فأقعد تطييباً لنفوسهم والله ما قعدت خلف سرية يعني ما أرسلت سرية وقعدت وراءها بل كنت في هذه السرية, فكيف بمن يقضي عمره كله ولا يخرج ولا في سرية واحدة في زمن هو زمن الجهاد والقتال حيث تسلط الكفرة من كل نِحلة على المسلمين وينكلون بهم على رؤوس الأشهاد جهاراً نهاراً كل أحد يرى ما يصيب المسلمين والإنسان جالسٌ إما في مدرسته وإما في مسجده وإما في عيادته وإما في وظيفته أو في دكّانه وكأن هذا لا يعنيه وكأنه ليس جزءا من هذه الأمة لا يصيبه ما يصيب إخوانه المسلمين, النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له ســـائِر الجسد بالحمى والسهر ".
فإذن كل مسلم ينبغي أن يكون مجاهداً مقاتلاً في سبيل الله وأعداء الله عز وجل من اليهود والنصارى والمرتدين ما تسلطوا على هذه الأمة وما أذلوها وما أذلوا شبابها وشيوخها إلا عندما فقدت هذه الصفة صفة الجهاد وصفة القتال في سبيل الله ولذلك الآن في كل الدول اقتناء السلاح يعتبر تهمة يعاقب عليها القانون, الأصل في المسلم أن يكون صاحب سلاح وأن يكون مقاتلاً مجاهداً, الآن يقول لك هذا حُكِم عليه عشر سنوات , لماذا ؟ لأنه وجدوا عنده سكين بدون ترخيص! أو وجدوا عنده مسدس, أو وجدوا عنده كلاشن أو غير ذلك من الأسلحة, بهذا أذل أعداء الله أمة الإسلام, أما الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكانوا جميعاً مقاتلين, علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عندما خلّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك خلّفه على المدينة قال له تبقى على المدينة لأن فيها نساء وأطفال لا بد أن يبقى من يقوم عليهم, خرج علي ابن أبي طالب عندما خرج الجيش بدأ المنافقون يتكلمون على علي, إنما قعد خوفاً, وأنتم ؟ هم لم يخرجوا, المنافقون, ويلمزون علي, ولم لا تلمزون أنفسكم ؟ فخرج علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تركتني مع النساء والأطفال, أراد أن يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".
إذن أيها الإخوة .. المسلم عزيز بدينه والمسلم رجل مجاهد, الآن تأملوا يا إخوة كيف انقلبت الموازين, الآن من التهم التي توجه للمسلم أنه مجاهد, صحيح أو لا ؟
يقول لك هذا رجل مجاهد, ومتى كان الجهاد تهمة أو جريمة يعاقب عليها الإنسان ؟
هذا هو الأصل, ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : " ما ترك قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا عمّهم الله بعذاب ", ولا يلتفت لما ينعق به هؤلاء من التسفيه والتحقير وغير ذلك.
وقال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لا يستطيع أحد أن يحك هذه الآية وأن يمحوها, آية محكمة في كتاب الله عز وجل, وهذا القتال في سبيل الله ليس في سبيل الأهواء, لا يقاتل الإنسان انتصارا لقبيلة ولا لحمية جاهلية ولا يقاتل انتصاراً لجماعته ولا لوطنه ولا لغير ذلك وإنما قتاله في سبيل الله يعني في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل, فلا بد أن نستحضر هذا المعنى أيها الإخوة نحن إنما نقاتل لتكون كلمة الله هي العليا, إنما نقاتل لتكون شريعة الله فوق كل شريعة, إنما نقاتل ليكون حكم الله فوق كل حكم, لتكون شريعة الله فوق الشرعية الدولية, ليكون حكم الله فوق أحكام مجلس الأمن بل ليزيل أحكام مجلس الأمن, لا يبقى, هذه الأحكام الجاهلية أُمِرنا بإزالتها (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فإذن (يقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فنيتنا ومقصدنا إنما هو إرضاء الله سبحانه وتعالى فلذلك لا نلتفت إلى ما يقول هؤلاء إذا رضي الله عنك فماذا يضرك سخط الناس ؟
إذا مدحك الله سبحانه وتعالى فماذا يعنيك أن يذمك الناس ؟
إذا رفعك الله سبحانه وتعالى في الدرجات فهل يضرك أن يسعى أعداؤك إلى أن ينزلوك في الدركات ؟
لا, أنت في طريقك إلى الله سبحانه وتعالى فلا تبالي, كما قال الله عز وجل (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) تتكلم الإذاعات تتكلم الفضائيات تُعقد الندوات يتكلم المفكرون يتكلم المحللون يأتي السفهاء كل هذا لا يعنينا لأننا نسلك طريقاً توصلنا إلى الله عز وجل, فقال الله سبحانه وتعالى (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إذن السوق التي يقدم فيها الإنسان سلعته ليستلمها منه الله سبحانه وتعالى أين ؟
ساحة الجهاد, ولذلك الله سبحانه وتعالى جعل الجهاد تجارة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) بيع وشراء (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) , (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) فإذن الإنسان لا يكفيه أن يدعي أنه صادق مع الله سبحانه وتعالى وتتهيأ له سبل الجهاد ولا يحدث بذلك نفسه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من لم يغزُ " أنت أيها المسلم سل نفسك قد يكون الواحد انطبق عليه هذا الحديث فكيف يلاقي الله سبحانه وتعالى ؟
" من لم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق " حديث في صحيح مسلم, ولا يكفي أن يحدث الإنسان نفسه بالأماني: والله أتمنى أن أغزو .. والطريق مفتوح والسبيل ميسر والزاد موجود والمال عندك وساحة الجهاد موجودة وسوق الجهاد قائمة ومع ذلك يقول أنا أتمنى أن أجاهد في سبيل الله, ما الذي يمنعك ؟ ما الذي يحول بينك وبين الجهاد في سبيل الله ؟
فلا بد أن يحتاط المرء لنفسه.
قال الله سبحانه وتعالى (يقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فيحصل من وراء قتالهم (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) يقتلون أعداء الله عز وجل الذين شاقوا الله ورسوله, يعني كانوا هم في شق والله ورسوله في الشق الآخر, ويحادون الله ورسوله ويفتنون الذين آمنوا عن دينهم ويشركون بالله سبحانه وتعالى, يقاتلون هؤلاء الكفرة لأنهم نجس يطهرون الأرض منها.
قال الله سبحانه وتعالى (فَيَقْتُلُونَ) إذن قتال الكفار وقتلهم بالأحكام الشرعية المعروفة في أبواب الجهاد هذا شيء ممدوح شرعاً يحبه الله سبحانه وتعالى, قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يجتمع كافرٌ وقاتله في النار أبداً " إذا قتل مسلمٌ كافر فلا يجتمع معه في نار جهنم أبداً إذا مات على الإيمان والتوحيد فقال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ) أعداء الله عز وجل الكفرة (وَيُقْتَلُونَ) يعني وينالون الشهادة في سبيل الله وليس معنى هذا أن الإنسان لا ينال الجنة التي وعد الله سبحانه وتعالى أن يعطيها لمن أسلم نفسه إلا إذا قُتِل الإنسان مجاهداً في سبيل الله, لا, الذي أراده الله سبحانه وتعالى منا هو أن نسعى للجهاد أن نسعى للقتال أن نسعى لطلب الشهادة ثم إذا قُتِل الإنسان فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وإن مات على فراشه وكان صادقاً في طلب الشهادة في سبيل الله فقد مات وهو شهيد, قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه ".
وفي حديث أخر صححه بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من فصل في سبيل الله - يعني من خرج في سبيل الله - فمات أو قُتِل أو وقصته دابته - يعني سقط من دابته فمات - أو لدغته هامّة - يعني لدغته عقرب أو حية - أو مات على فراشه أو مات بأي حتف مات - بأي شيء مات - فإنه شهيد وإن له الجنة ", والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) والله عز وجل يقول (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا).
إذن أيها الأخ المجاهد أنت في طريق الجنة إلى الله سبحانه وتعالى بل أنت في طريق الشهادة إن كنت صادقاً في طلبها وأنت في ساحة الجهاد تقف عند باب الجنة, قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنة ينجي به الله من الهم والغم " فمالك وللدنيا أنت واقف عند باب الجنة تنتظر أن يُفتح لك في كل لحظة -لا أقول في كل يوم- في كل لحظة تنتظر أن يُفتح لك باب الجنة لتخرج من دار الهم والغم والنصب والتعب وغير ذلك, الشهادة في سبيل الله, النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة " هذا شيء عظيم أيها الإخوة, يعني لا يوجد أحد يدخل الجنة ويرى ما فيها من النعيم المقيم والإكرام من الله سبحانه وتعالى فيُقال له ما رأيك أنت ترجع إلى الدنيا ونعطيك كل ما على الأرض ؟
يقول لا أنا لا أريد أن أرجع إلى الدنيا, إلا الشهيد, الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليس مرة واحدة عشر مرات ولكن يرجع إلى الدنيا لينال ما عليها من شيء ؟ لا , فقط يريد أن يرجع ليكرر الشهادة مرة أخرى حتى يُقتل مرة أخرى عشر مرات يريد تأتيه الطلقة مرة أخرى الشظية مرة خرى القصف المرة الرابعة اللغم وهكذا لما يرى من الكرامة عند الله سبحانه وتعالى, لا يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليزور والده ولا ليجلس مع أمه ولا ليرى أبناءه ولا زوجته ولا ليجلس مع إخوانه المجاهدين الذين أحبهم وأحبوه, لا لا لا لا هذا لا يريده إنما يريد أن يرجع إلى الدنيا ليذوق حلاوة الشهادة هذه الحلاوة التي يريدها لا تنقطع عنه أبداً إكراما من الله سبحانه وتعالى.
إذن ليحرص أحدنا لأن يكون من هؤلاء أيها الإخوة, كيف ؟
من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه.
فقال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ويا أيها الإخوة كما أن المجاهدين متفاوتون في الدرجات في الجنة فكذلك الشهداء ليسوا على مرتبة واحدة, النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " هذه للمجاهدين يدخل فيهم الشهداء وغيرهم, وقال صلى الله عليه وسلم عن الشهداء قال " القتلى ثلاثة : رجل مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل " قال النبي صلى الله عليه وسلم " فذلك في خيمة الله " وفي رواية " في جنة الله لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة ", المرتبة الثانية : قال " رجلٌ مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله خلط عملاً صالحاً وآخر سيئا " ارتكب من السيئات, قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق هذا " ممصمِصةٌ محت ذنوبه وخطاياه " يعني الشهادة غسلت ما عنده من الذنوب والخطايا " فإن السيف محاء الخطايا يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء " هذا الثاني, وأما الثالث فقال النبي صلى الله عليه وسلم " رجلٌ منافقٌ يجاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل " قال " فذلك في النار فإن السيف لا يمحو النفاق " نسأل الله العافية.
وقال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) حتى لا يبقى هناك أدنى تردد أو شك في قلب المؤمن وهو مقدم على الله سبحانه وتعالى, قال الله عز وجل (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) يعني هذا البيع وعد الله سبحانه وتعالى عليه وعداً أوجبه على نفسه فهو محقق لا محالة, وهذا الوعد الحق قد دوّنه الله سبحانه وتعالى وذكره في أشرف كتبه (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) التوراة التي أنزلها الله على موسى والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى والقرآن الذي أنزله الله على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وحتى لا يبقى هناك أدنى تردد بعد هذا التأكيد قال الله سبحانه وتعالى (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) أيوجد أحد أوفى بالعهد من الله عز وجل ؟ يعني لا أحد فإذن لا ترتابوا ولا تترددوا ولا تشكوا فأنتم في طريقكم إلى الله عز وجل في طريقكم إلى الجنة فما عليكم إلا أن تصدقوا وتخلصوا لله عز وجل حينما تقدمون هذه السلعة لله عز وجل بعدها ينتهي كل شيء من الهموم والغموم والضيق والكدر والمطاردات وغير ذلك انتهى كل شيء في لحظة تخرج من هذه الدنيا تجد نفسك في نعيم لا ينقطع أبداً.
يا إخوة النبي صلى الله عليه وسلم وصف الجنة وصفاً كثيراً ثم قال بعد ذلك " وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ", نعيم لا يتصوره أحد ولم تسمع به أذن ولم تره عينٌ, ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئِل من أفضل الشهداء ؟ قال: " الذين يلقون في الصف الأول " لأنهم مُقبِلون على الله وهم على يقين أنهم قادمون على ما وعدهم الله سبحانه وتعالى به, لا يلتفتون إلى الدنيا ولا ينظرون وراءهم ولا يفكرون في شيء من شهواتها ولا من مصائبها هم مقبلون على الله عز وجل, قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الذين يلقون في الصف الأول لا يلفتون وجوههم أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة - يتقلبون في الغرف العالية في الجنة - ويضحك إليهم ربك وإذا ضحك ربك إلى عبدٍ فلا حساب عليه ".
فقال الله سبحانه وتعالى (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ), ما زال حتى يتأكد هذا المعنى ويصبح في قلب كل مؤمن أمراً قطعياً لا تردد فيه قال الله عز وجل (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) كونوا مستبشرين بهذا البيع (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من هؤلاء المؤمنين المتقين الصادقين المخلصين الذين يختم لهم بشهادة في سبيله سبحانه وتعالى إنه سميعٌ قريب.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

والحمد لله رب العالمي


روعه # مؤسسة الملاحم # تقدم # [ حقيقة الحكام - لفضيلة الشيخ/ أبي الزبير عادل العباب ]
:: للإستماع مباشرة ::
الوقت
29:27
[ حَقِيقَـــةُ الحُكَّــــامِ ] .. نخبة الإعلام تقدم : تفريغ كلمة صوتية للشيخ عادل العباب
\